حيدر حب الله

111

شمول الشريعة

أنزل الله ، ولهذا نجد أنّ الآية الرابعة من المجموعة الثانية ( المائدة : 44 - 50 ) ، وهي في الحقيقة عدّة آيات ، لا يمكنها أن توصّف لنا دائرة الشريعة ونطاقها ، لكن بإمكانها أن تؤكّد لنا أنّ للشريعة أحكاماً منزلة من عند الله ، وأنّ الحكم بغير هذه الأحكام - في ظرف وجودها - هو جريمة أخلاقيّة تجاه الله سبحانه . والذي يدفعنا لهذا الفهم هو أنّ الجمل السالبة في التداول العربي والعرفي لا تحمل في طيّاتها ما يسمّيه المناطقة : السالبة بانتفاء الموضوع ، بل هي تنصرف في دلالتها العرفيّة لحالة وجود الموضوع ، فالحكم بغير ما أنزل الله يفهم منه العرف وجود حكم الله ، ثم الحكم بما سواه ، ولا يفهم العرف حالة الحكم بقانون العقل في حالةٍ لا يوجد فيها حكم الله أصلًا ، ومن ثمّ فهذا النص لا يؤكّد لنا مساحة الأحكام الإلهيّة ، بقدر ما يركّز على أخلاقيّة التعامل معها على فرض وجودها ، وأنّه لابدّ من الانصياع لها وعدم الاحتكام لغيرها . ويُشبه هذا الأمر ما بحثناه في محلّه عند الحديث عن مفهوم آية النبأ ، حيث ارتكب الأصوليّون خطأ - وفق رأي السيد الخميني الذي وافقناه هناك في الجملة « 1 » - في مقاربتهم لمفهوم الآية ، إذ لا يدلّ المفهوم على حالة مجيء العادل بالنبأ ؛ لأنّ حالة مجيء العادل بالنبأ هي مصداقٌ عقلي لعدم مجيء الفاسق ، بينما العرف يفهم من مفهوم الآية عدم مجيء الفاسق بحيث لا يكون هناك نبأ ، وساكتة عن حالة وجود نبأ العادل . د - إنّ الآيات المتبقية ، وفيها الآيات الأكثر وضوحاً ، لا تؤكّد مفهوم شموليّة الشريعة بالمعنى المدرسي الكلاسيكي الذي ندرسه هنا ونتتبّع أدلّته ، وهو وجود حكم إلهي من الله نفسه لكلّ واقعة من الوقائع ؛ لأنّ هذه الآيات تؤكّد حصريّة حكم الله تعالى ومرجعيّته ، وهذا المفهوم كما ينسجم مع وجود أحكامٍ لله في كلّ الوقائع ، كذلك هو منسجم مع إحالة الله تعالى البشر في بعض النواحي الحياتيّة إلى عقولهم وأمره لهم بأن يتّبعوا عقولهم فيما تمليه عليهم بما لا يناقض معايير شرعه ودينه وأخلاقيّاته ، ومن ثمّ فالإحالة على العقل هنا كانت بحكم الله ، والرجوع لحكم العقل ونتائج الخبرة العقليّة المعرفيّة الإنسانية في إدارة بعض الملفّات الحياتيّة تحت غطاء الكلّيات الشرعيّة العامّة هو رجوعٌ لما حكم به الله تعالى ، وليس خروجاً عن حكم

--> ( 1 ) راجع : الخميني ، أنوار الهداية 1 : 283 - 286 ؛ وتهذيب الأصول 2 : 438 - 439 ؛ وحيدر حبّ الله ، حجيّة الحديث : 362 - 363 ، 366 - 368 .